سُوق الجُمُعَة 

صحيفة تدْوِينِيَّة ثقَافِيَّة إجْتِمَاعِيَّة

يتم تحديثها أسبوعيا

أصالة ومعاصرة

يحررها ويشرف عليها / خالد على بشر

 


 


كواغط الرومى .. جريمة فى تمبكتو

يوليو 18th, 2007 كتبها خالد على بشر نشر في , تاريخ

 كواغط الرومي

جريمة فى تمبكتو

تحقق فيها طرابلس

        " تولى حسونة محمد الدغيس)1( منسترو على النصارى والقناصل ")2( بهذه العبارة الموجزة وصف حسن الفقيه حسن صاحب اليوميات الليبية خبر تولية " حسونة الدغيس "  وزيرا لخارجية طرابلس، وقد بعث قنصل الإنجليز " جورج هانيمر وارنجتون" رسالة من جملة رسائله الموجهة إلى دولته عام 1825 ف شاكيا ومعترضا على تعيين " حسونة الدغيس " فى هذا المنصب، الذى يكن له عداءا خفيا ربما نتيجة ثقافته الفرنسية وتطبعه بطابع الحياة الفرنسية، وزاد من كراهية " وارنجتون " لـ " حسونة الدغيس " تعيين البارون " روسو" قنصلا عاما لبلاده فرنسا بطرابلس، واعتبر أن تعيينهما فى هاتين الوظيفتين قد زاد من تقويض النفوذ البريطاني لدى بلاط يوسف القرمانللى.

         تبدأ " قصة الكواغط "  بوصول الرائد " ألكسندر جوردون لينج " فى شهر النوار/ فبراير 1825 ف، موفـدا مـن وزيـر المستعمرات البريطاني إلى ( تمبكتو) عن طريق " طرابلس "، للحصول على موقع قدم لبريطانيا فى وسط أفريقيا عند بداية الكشوف الاستعمارية البريطانية.

         كان " جورج هانيمر وارنجتون " القنصل المميز الذى يتسم بشخصية قوية فى بلاط يوسف باشا القرمانلى والى طرابلس فى ذلك الوقت، فبدأ فى اعداد الترتيبات اللازمة لإقامة هذا المستكشف العسكرى، والذى يبدو أنه كان ذا حضوة لدى وزير المستعمرات آنذاك، فكان لابد للقنصل الإنجليزى العام أن يعنى عناية خاصة بالموفد المستكشف، فهيـأ لـه مكانا فى بيتـه ليكـون نقطة الانطلاق إلى " تمبكتو"، الجوهرة السوداء المخبوءة فى الصحراء، ذلك أنه بمجرد الاستحواذ عليها فإن أقدام الإنجليز ستتمدد إلى أن تصل إلى أواسط أفريقيا، ومنها ستتخذ شكل الإخطبوط لتلتهم ما يمكن التهامه من بلدان الوسط والجنوب الأفريقي.

        بدأ " ألكسندر جوردون لينج “ يستعد للرحلة الطويلة الشاقة، وكان لابد للقنصل الإنجليزي أن يتصل بيوسف باشا القرمانللى ليؤمن لمواطنه طريق الرحلة، ومده بالمساعدات اللازمة لعبور الصحراء الليبية ومن ثـم الوصول إلى “ تمبكتو".

       وخـلال فترة بقاء " لينج " فى ضيافة القنصل الإنجليزى، أعجبـه جمال إبنته " إيما ماريا " فتقدم لخطبتها، وعلى الرغم من أن الفتاة رفضت هذه الخطبة نظرا لعلاقتها العاطفية مع" تيموليون " ابن قنصل فرنسا العام البارون " روسو " إلا أن والدها لم يأبه لكافة توسلاتها ووافـق على الخطبة وعقـد القران، غير أن " لينج " غادر طرابلس قبل أن يدخل بزوجته، واعدا بأن يتم ذلك فور عودته من رحلته الاستكشافية. 

       كان الطريق إلى " تمبكتو" محفوفا بالمخاطر وبخاصة على " نصراني " كان المسلمون الأفارقة يعتبرونه كافرا. و" تمبكتو" كانت معقل الإسلام فى وسط غرب أفريقيا ومركزا مهما للقوافل المتجهة إلى عدد من الدول الأفريقية.

       هيأ يوسف القرمانللى الأسباب المريحة للمستكشف حيث طـلب من الشيخ " محمد البابانى "  أحد تجار غدامس العارفين بتمبكتو مرافقته، وسلم إليه عددا من الرسائل التى توصى به وبمهمته إلى أعيان " تمبكتو"، وتمكن  " لينج "  بفضل كل ذلك من الوصول إليها عام 1826 ف فى وقت قياسي، ويعتبر " لينج “ أول مستكشف أوربى يصل إلى تمبكتو، وأجر " لينج " بيتا وبدأ فى دراسة المنطقة وما حولها، ومازال البيت حتى الآن فى تمبكتو تحت رعاية وزارة السياحة المالية.

       ويبدو أن المستكشف " لينج " لم يجد القبول لدى سلطان " تمبكتو " ولا من أعيان المنطقة، فبدأوا فى رصد تحركاته، فتوصلوا إلى أنه كان يقوم برسم الخرائط وكتابة التقارير عن " تمبكتو" والطرق المؤدية إليها، والمراكز التى تعتبر خطوط إمداد للرحالة والمستكشفيـن الذيـن سيعقبونه، فازدادت الشكوك حول تواجده فى " تمبكتو" وما أن بدأ فى إعداد العدة للرحيل والعودة بوثائقه إلى طرابلس ومن ثم إلى بلاد الإنجليز، حتى بدأ " التمبكتيون " يشددون المراقبة على " لينج " ومن كان معه فى قافلته، وتبعوهم إلى مسافة 30 كلم شمال " تمبكتو" وبين منطقة " عروان " و " تمبكتو " قبض على " لينج " وأمر " أحمادو لبيدة " أحد سلاطين الطوارق بقتله وحرق أوراقه.

       وكان أول من سمع بهذه القضية القنصل الفرنسي " روسو " نظرا لعلاقاته الطيبة مع كافة شرائح فى المجتمع الطرابلسى، وبخاصة التجار منهم الذين كانوا يجوبون الصحراء ويتصلون بمراكز التجارة فى صحراء ليبيا " غدامس وسبها وغات " وغيرها من المدن الصحراوية، ولابد أنه كان من بينهم من يتسقط الأخبار وبتابع مجريات الأحداث، فكان أن وصلت الأخبار بمقتل " لينج " وضياع أوراقه ووثائقه وأمواله من مركز المعلومات فى غدامس.  

       لم يصدق القنصل الإنجليزي الخبر فى بادئ الأمر، ولكن ما أن تأكد من ذلك، حتى بادر بالاتصال بالوالي يوسف باشا مهددا متوعدا وطالبا اتخاذ الإجراءات اللازمة لتتبع القضية والقبض على مرتكبي الجريمة، فهو لم يكن مبعوثا من طرف وزارة المستعمرات الإنجليزية فقط، بل كان زوج ابنته أيضا، ويحق له أن يعرف ذيول القضية ويتابعها.

       ولم يأل يوسف القرمانللى جهدا فى التحقيق والبحث عن عناصر القضية نظرا لمكانة " وارنجتون " لديه، وطلب من شواشه وشيوخ المناطق البحث عن كل من كانت له صلة بالقضية، ولكن لم تعط تلك الجهود نتائجها المرجوة، فتمبكتو تفصلها عن طرابلس آلاف الكيلومترات، وحتى لو طلبت التقارير فان الرد على تلك المراسلات تحتاج إلى أشهر للوصول إلى الوالي.

        وبما أن" وارنجتون " القنصل الإنجليزي لم يكن على علاقة طيبة مع القنصل الفرنسي " روسو " الذى تربطه علاقة جيدة مع " حسونة الدغيس “ وزير خارجية الباشا، والذي يبدو أنه يشاركه اهتماماته الثقافية، وإتقانه للغة الفرنسية باعتبار أنه عاش فترة طويلة فى فرنسا، فقد خيل للقنصل الإنجليزى أن " حسونة الدغيس "  قد شارك أيضا  فى هذه الجريمة، وأنه قد قام بتسليم كافة وثائق وتقارير " لينج " إلى القنصل الفرنسي الذى من المؤكد أنه أرسلها إلى فرنسا لتستعين بها السلطات الفرنسية فى جمع المعلومات حول وسط أفريقيا ومنها تيمبكتو على وجه التحديد.

      واستطاع " وارنجتون " أن يؤجج الشكوك لدى يوسف القرمانللى، ويطالبه بالقبض على " حسونة الدغيس " أو على الأقل مطالبته برد الوثائق والتقارير التى سلمها للقنصل الفرنسي. وكان بالفعل ما أراد " وارنجتون " فعزل يوسف باشا حسونة الدغيس من منصبه كوزير للخارجية وعين مكانه محمد بيت المال.

       وتزداد القضية تعقيدا بقيام أحد العرب الذين كان " روسو " يستعين بهم فى جمع المعلومات بإعلامه كتابة بأن " أوراق لينج ووثائقه " قد استولى عليها الطوارق وأتلفوها،  واستطاع " وارنجتون " أن يعلم بفحوى هذه الرسالة بطريقة مـا، فـكانت هـذه المعلومة القشة التى قصمت ظهر البعير بين " وارنجتون " و " وروسو " ، فأشاع " وارنجتون " أن الوثائق والخرائط والأموال فى حـوزة القنصـل الفرنسي " روسـو "، بل أصبح يردد على مسامع القناصل أن " روسو "  لم يستحوذ على الوثائق فحسب، بل كان مرتبا وضالعا فى جريمة قتل " لينج "، وطالب الباشا مجددا بمطالبة القنصل الفرنسي بأن يعيد التقارير والأوراق والخرائط والأموال .

       وبالرغم من المشاكل التى كانت تحيط بيوسف القرمانللى، إلا أنه ارتأى أن يحبك خطة طرابلسية تخلصه من القنصل الفرنسي ومن حامت حولهم الشبهات فى هذه القضية التى ـ لو استشرت ـ فانها قد تؤزم علاقاته بين القنصل الإنجليزي ودولته وتحرمه من عائد مالى ضخم كان يتقاضاه منها، بل قد تؤدى إلى نشوب حرب طرابلسية مع الإنجليز، لم يكن مستعدا لها فى تلك الفترة.

       واستحكمـت حلقـات القضية لـدى الباشـا بالقبـض على مجموعة من " الغدامسيين " الذين يبدو أنهم كان لديهم معلومات عن القضية، والتحقيق معهم، فاتهم القنصل الفرنسي " روسو " بأنه استلم الوثائق والأوراق والخرائط والأموال من " حسونة الدغيس " نظير تنازل القنصل عن 40 % من الديون التى يطالبه بها، وما أسرع ما صدق " وارنجتون " هذه الرواية، وطالب القنصل الفرنسي رسميا بإعادة تركة " لينج " فى أسرع وقت ممكن، ومن الطبيعي أن ينكر القنصل الفرنسي هذه التهمة، ويطلب صدور تكذيب رسمي من الباشا، ولكن الباشا لم يأبه لتهديدات " روسو " فيقرر الأخير إنزال العلم الفرنسي من سارية القنصلية تاركا أمر شئون فرنسا التجارية مع طرابلس إلى قنصل اسبانيا، راكبا أول سفينة متجها إلى مرسيليا.

       لم تفت على " حسونة الدغيس " المناورات التى قام بها الباشا، فهو يعلم ما يعده له يوسف القرمانللى من عقوبات لو ثبتت عليه التهمة، فبادر على الفور إلى التخفي عن الأنظار فى منزل القنصل الأمريكي، الذي وعده بتسفيره عن طريق قربيطة أمريكية كانت ترسو فى ميناء طرابلس إلى تونس، ولم يفت هذا الأمر على الباشا، فهو يعلم أسرار الدسائس الأوربية والأمريكية، وقوة تأثير القناصل على بعض المسئولين فى الولاية، فطلب من عدد من المقربين إليه فى بلاطه)1( إقامة دوريات أمنية فى شوارع المدينة خوفا من فرار أو تهـريب " حسونة الدغيس " إلى خارج البلاد، وكان خوف الباشا فى محله، فقد بادر قائد القربيطة وقنصل أمريـكا بتهريب " حسونة الدغيس " إليها متخفيا في زى أوربى، فانطلت الحيلة على دوريات الأمن واعتبروه أحد موظفى القنصلية، وحتى يب

المزيد