سُوق الجُمُعَة 

صحيفة تدْوِينِيَّة ثقَافِيَّة إجْتِمَاعِيَّة

يتم تحديثها أسبوعيا

أصالة ومعاصرة

يحررها ويشرف عليها / خالد على بشر

 


 


محمد المغبوب ومفهوم السعادة ( وين حوش البوسعدية .. نموذجا

أبريل 5th, 2008 كتبها خالد على بشر نشر في , أدب

  علاقتى بالأديب محمد المغبوب موغلة فى القدم، فقد ترافقنا فى العمل فى فترة من فترات العمر الكئيبة، ثم تفرقت بنا السبل، فسار هو فى نهج ارتآه لنفسه وما زال، وسرت أنا فى النهج المقدر لى إلى أن أتانى هادم الوظيفة، التقاعد، فقوعدت لأمر فى نفس من بيدهم الحل والعقد، وكان ذلك خيرا لى، فقد تفرغت للقراءة والبحث . وأذكر أن الأديب محمد المغبوب كان معاندا فى فكره، ولا يقبل المساومة، بل كان لا يقبل حتى مجرد تعديل بعض الجمل أو الكلمات فى قصصه أو مقالاته، كان يؤكد دائما أن كلماته وجمله هم بمثابة أبنائه، فهو لا يمكن أن ينسلخ من جلده، ولا يقبل أن يئد أحد أبنائه على مرأى ومسمع منه، ولذلك كان كثيرا ما يعود أدراجه حاملا مشروع قصته أو مقاله إلى مكان آخر يمكن أن يجد فيه من يفهمه، ويفهم ما يختلج فى نفسه من أفكار . وكنت فى صيف عام 2003 إن لم تخنى الذاكرة، أتحاور مع الأديب محمد المغبوب فى ما أثر من قصص شعبية داخل منطقة سوق الجمعة، حيث كنت وقتها أعد كتابا عن " المكان "، وهو لم يكتمل بعد للأسف رغم انقضاء عشر سنوات على الشروع فيه، نظرا لعدد من الصعوبات ليس هذا مكان استعراضها . أهدانى محمد المغبوب قصته " وين حوش البوسعدية ؟ " مسجلة على اسطوانة مرنة " فلوبى "، وخلت أننى سأقرأ شيئا تراثيا عن البوسعدية . قرأت القصة مرة … فلم أجد ما يشير من قريب أو بعيد إلى " البوسعدية " الذى أقصده والذي كان مثار الحديث بيننا، وبما أننى أفهم محمد المغبوب بطريقة مخالفة لما يفهمه به الآخرون، فقد عاودت قراءة القصة مرة أخرى على جهاز الحاسوب، ولم ترضنى هذه القراءة فنسخت ما قرأت على الورق، وبدأت فى تحليل الكلمات والجمل، فمحمد المغبوب يجب أن تقرأه على مهل، وأن ترفع الحروف والجمل لترى ما تحتها من عبارات . فيما أرى ، على رأيه، أن محمد المغبوب إختـار اسـم القصة ليجسد مفهوم " السعادة " لديه، فأبو سعدية، وهو ذلك الرجل الضخم عريض الأكتاف والجسم وصاحب الشفتين الغليظتين والأنف الأفطس المكون فتحتين كبيرتين، إنما يعنى به الزمن الذى لم يعد فيه مكان للسعادة التى ينشدها البشر، فكل شئ فى هذا الزمن يباعد بين الإنسان والسعادة، فكل مكونات الحياة تقف فى وجه الإنسان، تمنع عنه حتى بصيص من سعادة، رغم أن " السعادة " هى ابنة الزمن وليست ربيبته .كان أبو سعدية يتجول هو أيضا فى الطرقات باحثا عن " سعدية " بطريقته الخاصة، كان الناس يخالون أن يبحث عن لقيمات ترضى وحش الجوع القابع فى جوفه، لكن فى حقيقة الأمر أن أبو سعدية كان يبحث عن " سعدية " ابنته تلك التى ستمنحه الدفء ، والحنان والشبع والأمن من الخوف . وكانت " سعدية " بيت القصيد عند محمد المغبوب، وسعدية من " السعادة " كما نعرف، وقد صورها لنا فى قصته فتاة جميلة بكل المقاييس، جسد ملفوف، وصدر يكاد يقفز من مكانه، وعينان نجلاوان لهما سهام تصيب بها من ترضى عليه، إنها تأتيه فى أحلامه " … وهم يذكرون اسم سعدية هذه التي تزورني في حلمي من منام إلى آخر، قد يتعثر طيفها في ظلمة الليل فلا تأتي، وربما نصب أحدهم لطيفها فخاً فأمالها إليه، ولعل الطريق أحب مناكفتها فأضاعها مني فتغيب عني لكنها كانت تأتي طيفاً جميلاً تسعد روحي، وتضيء عتمتي وتأنس وحشتي، وتمتع وقتي بعسل الكلام، وبحرير اللمس " ، أليست أركان السعادة مثلما الوصف المتقن الذى أبدعه المغبوب ؟ " … سعدية التي يشع من عينيها نوراً، ومن جسدها تنثر عطراً يضوع في أرجاء نفسي تحدثني عني، وأنشد لها قصيدتي عنها ، ونحن نمسك خيوط الكلام الجميل، ونغزل منه بيتاً يضمنا، ويحجب أعين الحاسدين عنا فنظفر بوقت ليس ككل الأوقات " . من المؤكد أن " سعدية " عند المغبوب كانت تجسد رؤيته الفلسفية للسعادة، وهو كعادة الأدباء الذين يكتبون لمتلقى ذكى، يفهم ما يموج من أحداث تحت الكلمة أو الكلمات والجمل، المغبوب انتقى الكلمة من التراث، التقطها ببراعة ليذكرنا بأن القصص التراثية ليست شيئا للتسلية، أو لتزجية الوقت واستهلاكه، وليس كلاما مرصوصا فارغ المحتوى، بل إن كل كلمة فيه تعنى شيئا هاما جديرا بالتفكير، المغبوب فكر وقدر، فكانت " سعدية " هى محبوبته التى تأتيه فى الحلم، تداعبه، تستعرض عليه جمالها، وعندما

المزيد


المكان والزمان … فى أدب كامل المقهور

أبريل 5th, 2008 كتبها خالد على بشر نشر في , أدب

 لا أذكر ـ فيما قرأت ـ أن كاتبا جسد حياة " الفلاحين " في " سوق الجمعة " أكثر من الأديب المرحوم " كامل حسن المقهور"، فقد جسدها في معظم كتاباته، كتب عن الناس وأحداثـهم اليومية، كتـب عن " الفلاحين " البسطاء بأسلوب بسيط، مثلما الناس في تلك المناطق، ولا عجب في ذلك، فكامل المقهور يعتبر إبنا للمنطقة بالرغم من أنه كان يقيم مع أسرته فى الضهرة، فعائلة والدته تقيم في " النوفليين / سوق الجمعة " الأخوال والخالات وأبناء أخواله، كلهم ما زالوا يقيمون في نفس المنطقة، وقد كان إرتباطه بإبن خاله " مصطفى " وثيقا حتى أواخر أيامه، ولا شك أن كاملا قد فقد فيه قريبا وصديقا عاش معه فترة طويلة من حياته . وكامل المقهور ـ لا شك ـ أنه قد قام بزيارة المنطقة في الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات، في فترات محدودة، نظرا لظروف دراسته في البدايات ثم اهتمامه بعمله " المحاماة "، ثم انغماسه في العمل الرسمي الذي كلف به كوزير للنفط وسفير ومهتما بقضايا شائكة أخرى، ـ ولا شك ـ أنه سجل في ذاكرته الأحداث اليومية في " سوق الجمعة "، يوم أن كانت عبارة عن " سواني " و " آبار " و " طرق ترابية "، وناس بسطاء، وفلاحين مهرة، زارها مرات ومرات هو وإخوته أحمد ومحمود وفتحى، يؤدون واجب الزيارة لجدتهم لأمهم التى كانت تقيم في نفس المنطقة، ولا شك أنهم قد عبروا " سانية " خالتهم " حليمة " زوجة محمد الحصائرى، فلاحظ البئر والتوتة والبقرة والعجل والمجر والقنينة والجابية والميدة والساروت والممقس، والرشى والسميت والمعراض … إلخ، ولاحظ حياة الفلاح اليومية بتفاصيلها الدقيقة، فجسدها في كثير من قصصه القصيرة، في كتاب 14 قصة من مدينتى، وفى كتاب حكايات من المدينة البيضاء، و الأمس المشنوق، حتـى حواراته كانت تعطى إنطباعا بأن الكاتب يكتب عن " سوق الجمعة " المكان الذى أحبه وعشقه وجسد تراثه فى قصصه . في قصة " السور " ضمن كتاب " 14 قصة من مدينتى "، جسـد لنا " السانية " فترة بيع الأراضى لضمها إلى " قاعدة الملاحة "، ومن يقرأ القصة يعيش حياة الناس الفقراء في ذلك الوقت ويحس بإنفعالاتهم الثرة التى كثيرا ما توقض ضمائرهم وتبث الحياة فيها، وهذه الأحاسيس الفياضة تؤكد أن كامل المقهور كان يعيش بينهم . التفاصيل الدقيقة عن " سوانى سوق الجمعة " كانت في قصة " دورى يا عورة " فى كتاب " حكايات من المدينة البيضاء "(2)، وسيدرك القارئ مدى دقة التفاصيل التى عاشها الكاتب بكل تأكيد، ولو لم يكن عاشها لما كتبها بهذه الدرجة من الدقة المتناهية . لكن قد يعترض الكثيرون على هذا الإسناد، إسناد قصص كامل المقهور على منطقة " سوق الجمعة " بالذات، ذلك أن معظم المناطق في الخمسينات والستينات كانت تعج بالآبار والسوانى، بل إن التعابير والمصطلحات الزراعية والفلاحية تكاد تكون واحدة، وبخاصة في واحة طرابلس التى تبدأ من المنشية وتنحدر لتصل إلى ا

المزيد